لقد تطورت الكويت خلال السنوات الخمسين الماضية بشكل سريع، والكويت التي ولد فيها جواد بوشهري في عام 1943 كانت مختلفة تماماً عن التي نعيش فيها اليوم.
وكان تغييراً قد حدث بسرعة بالغة. يقول بوشهري «الكويت اليوم مختلفة تماماً عن تلك التي ولدت فيها، أولئك الذين هم اليوم في عقدهم الثالث بالتأكيد لا يمتون بصلة للكويت في عام 1950، وحتى أولئك الذين كانوا في ذلك الزمن لا يتحدثون عنه».
ويقول بوشهري بأن أهم شيء عنده هو تطوير مهاراته والسعي لتحقيق شغفه بالفن واتخاذه مهنه له.
متى اكتشفت مواهبك الإبداعية؟
عندما كنت صغيراً، في منتصف عمر المراهقة، وكنت معروفاً للمعلمين بأن أعمالي كانت جميلة. في ذلك الوقت لم يكن هنالك أي شكل من أشكال الترفيه فلا تلفزيون ولا دور للسينما، فكانت هواياتنا هي الوسيلة الوحيدة للترفيه. فتطورت موهبتي بالممارسة والإرشاد من المعلمين.
وجاءت فرصته الحقيقة الأولى لاستكشاف مهاراته في عام 1963 عندما سافر لمواصلة تعليمه في الولايات المتحدة بعد الحصول على منحة الحكومة. ثم عاد في عام 1967 حاملاً درجة البكالوريوس في الفن.
هل شعرت آنذاك انه كان قدرك أن تجعل الفن حياتك؟
أعتقد أنني فعلت. لقد كنت متعصباً جداً حول هذا الموضوع. بالنسبة لي، في ذلك الوقت، كانت فكرة العمل في مجال الأعمال التجارية في الكويت لا تروق لي أبداً. لم يكن هنالك أي تنوع بالأعمال، كما لاحظت أنه عندما تمارس الناس مهنة الأعمال التجارية فإنهم يضطرون إلى تجاهل رغباتهم. فأدركنا بعد سنوات كيف أن البلاد تتأسف هذه الفرص المحدودة للشعب.
كيف تمكنت من الحصول على خبرتك في مجال الفنون التشكيلية؟
لطالما شجعني والدي، فقد كان دائماً معجباً بعملي، وزودني بالملاحظات اللازمة لتطويره. بخلاف عدد قليل من الكتب في مكتبة المدرسة التي لم يتوفر بها ما يكفي من كتب لأعمال الفنانين التشكيليين، ولكن مثل أي صبي أشاد به والده أردت أن أجعله سعيداً بقدر ما أستطيع.
بعد عودته للكويت وجد نفسه في كويت تنبض بروح الإستقلال. رفض عرض والده للإنضمام إليه في مجال الأعمال التجارية، وعمل عوضاً عن ذلك في مجال التدريس لمدة عامين في مدرستين في الكويت. وبعد ذلك دعته وزارة الإعلام للإنضمام إليهم، ليكون مسئولاً عن تنظيم معارض أعمال الفنانين الكويتيين في جميع أنحاء العالم.
وكانت تلك لحظة رائعة للفن الكويتي، تميزت ببروز العديد من أهم الفنانين الكويتيين الذين لا نزال نذكرهم ليومنا هذا. ففي بداية السبعينات كانت الكويت تنبض بأعمال أعظم الفنانين. وربما شهدت تلك الفترة ذروة الفن الكويتي.
لماذا برأيك تراجع الفن الكويتي منذ ذلك الحين؟
كما قلت سابقاً، لقد تخلت الناس عن عواطفهم في مقابل كسب المال من التجارة. لهذا كان من الأسهل شراء وبيع الأسهم لكسب المال.
من الواضح أن الفن لا يزال، قريباً جداً من قلبك. ماذا تقول بالنسبة لفنانين اليوم؟ هنالك عدد من الفنانين الموهوبين في الكويت، ولكن يبدو لي أن ما يفتقدونه في كثير من الأحيان هو البساطة فالحياة البسيطة التي عشتها قد أفادتك من دون شك كفنان.
كيف يمكننا من جديد تحقيق أعلى مستويات الفن الذي سبق أن رأيناه ؟ وهل يمكن أن نرى ذلك مرة أخرى؟
هذا سؤال صعب للغاية. هل سوف يأتي مرة أخرى؟ أنا لا أعتقد ذلك. في الزمن الذي عشت فيه، كنا نستجمع طاقتنا في شيء واحد وهذا ما أفعله في فني، أضع كل طاقتي في اللوحة. اليوم هنالك الكثير من الإلهاء حولنا. حتى يحقق الفنان النجاح اليوم لا بد أن يعزل نفسه حتى يبقى مركزاً في عمله وهذا ليس سهلاً على الإطلاق. أنا لا أعتقد أنه سيأتي مرة أخرى، على الأقل ليس في ضوء كل ما يحدث من حولنا في المنطقة اليوم.
لم تعد تعمل كفنان، في الواقع ليس لبعض الوقت. اليوم أنت رجل أعمال، بعيد جداً عن حياة الفنان.
حسناً، أنا لست بعيداً تماماً عن الفن. حيث أحرص على حضور أكبر عدد ممكن من المعارض في الكويت إن استطعت، وبالطبع لدينا معرضنا الخاص. ولكن الحقيقة هي أنني كفنان قد فقدت مهارتي.
كيف يمكن أن يفقد الفنان مهارته؟
ببساطة، عندما تتوقف عن ممارسة أي عمل لمدة طويلة. فهو أمر طبيعي جداً. حاولت عدة مرات القيام ببعض الأعمال، ولكن عندما أنظر إلى الوراء للأعمال الأولى التي قمت بها في نهاية الخمسينات وأقارنها بأي شيء أقوم به الآن، أنه حتماً ليس بذات المهارة.
الفنان القوي فقط هو الذي يعترف بصدق أن مهارته التي يعتز بها كثيراً أن تفقد مهارتك، قد فقدت. نتيجة لهذا القرار الشجاع توقف عن إبداعه الفني، وتجمدت أعماله في ذلك الزمن، حين كانت مهارته لا تزال في أوجها.
عندما أتى ذلك اليوم الذي قرر فيه بوشهري العمل في عالم التجارة توارى عن الإنضمام لوالده. «لقد كان من دون شك الاختيار الأسهل، ولكنني أردت أن اتبع مساراً خاص بي، وفي اتجاه مختلف تماما».
لقد استقر في البداية على العمل في مجال التصوير الفوتوغرافي. وهو من الأعمال التي فتحت له المجال لاستغلال موهبته الفنية. لقد أسس استيديو بوشهري معايير جديدة للتصوير الفوتوغرافي في المنطقة، وسرعان ما أصبح مشهوراً حيث يتوافد عليه الكثيرون للحصول على صور فوتوغرافية ذات تقنية عصرية. فكان هذا المشروع الذي عزز إسم بوشهري وجعله راسخاً في مجال التصوير الفوتوغرافي. وحتى يومنا هذا لا يزال، ربما، على نطاق واسع معظم صورتهم المعروفة.
كان بوشهري ذكياً بما يكفى ليدرك أنه على الرغم من النجاح الكبير والشهرة التي حققها في عمله، فالعمل في التصوير الفوتوغرافي وحده لن يكون كافياً لتأمين المستقبل. فكان التنويع إثباتاً لمفتاح نجاحه.
مع بلوغه الواحد والسبعين عاماً، يشغل جواد بوشهري منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة بوشهري. وهي المجموعة التي يعمل فيها حوالي 500 موظف، والتي تضم الآن تسع شركات مختلفة تقدم منتجات متنوعة مثل المستحضرات الصيدلانية، المنتجات الاستهلاكية والسلع الرياضية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، ووسائل الإعلام المتطورة وخدمات التسويق، والمنتجات والخدمات النفطية والغاز.
بالطبع لا يزال أستوديو التصوير الفوتوغرافي قائماً، بالإضافة إلى قسم الإمدادات الفنية ومعرض بوشهري الذي كان مقراً لكثير من الفنون الراقية. لا يمكن للمرء إلا أن يشعر أنه، بالرغم من النجاح الكبير في مجال الأعمال التجارية، فهذا هو المكان الذي ينبض فيه قلب بوشهري.
على الرغم من أنه رجل أعمال ناجح من الطراز الأول، إلا أنه يقدر المسيرة التي عبرها، وجميع الناس الذين كانوا دوماً عوناً له على طول الطريق. ويقدر بوشهري مجهود موظفيه، ويعتبرهم «عائلته».
الجيل القادم هو في وضع جيد لمواصلة مسيرة جواد بوشهري. أبناؤه محمد ومصطفى كلا منهما يشغلان مناصب إدارية عليا، إنما ابنته زينب فتشغل منصب رئيسة الموارد البشرية.
يسعى بوشهري دوماً إلى غرس أحد أهم مميزات الأعمال التجارية في أولاده منذ صغرهم، فيقول «لقد كنت دائماً أؤكد لهم بأن الصدق هي أهم ميزة في العمل» ويضيف «العمل إنما هو فن».
«يمكنك العمل، فقط عندما تعرف كيف ترضي عملائك. فيجب أن تهتم في كسب علاقات جيدة أولاً قبل التفكير في كسب المال».
ومن المعروف أن جواد بوشهري ومجموعة بوشهري لها سمعة تحسد عليها لقوة العلاقات التي بنتها على مر السنين. فاقتران اسم بوشهري بأي منتج أو علامة تجارية إنما هو دليل على ضمان جودة عالية.
هنالك من قد يعتقد بأن مفاهيم «الصدق» و «استمرار الجودة» إنما هي مفاهيم قديمة نوعاً ما نظراً للتغيرات التي تحدث في مجال الأعمال اليوم. في الواقع، ربما العكس هو الصحيح، وكما يقول بوشهري: «إذا أردت أن يستمر عملك، وأن ينتقل للأجيال المقبلة، فيجب أن يكون مبني اليوم على هذه القيم أكثر من أي وقت آخر».
التخطيط للمستقبل كانت أولوية دائمة لبوشهري على مدى العقود الأربعة الماضية، وهو أمر لا يزال يقوم به مع الجيل الجديد الذي يسانده. فهو حريص جداً على تعزيز العمل الحالي، وتحسين كفاءته، بدلاً من السعي لتوسيع تنوعه إلى أبعد من ذلك.
في صباح كل يوم نجد جواد بوشهري بمكتبه في المكتب الرئيسي لمجموعة بوشهري، ثم يقوم بجولة تفقدية للمتاجر. وبدلاً من إحكام قبضته تماماً على إدارة الشركة، فهو سعيد جداً بمنح قدر أكبر من المسؤولية لأولاده الذين سوف يدفعون الشركة إلى الأمام.
في الواقع، بالنسبة لبوشهري، الإعداد للمستقبل ربما هو فن في حد ذاته.